الخميس، 24 يوليو، 2014

هل الأذكياء بشعون دائماً؟ لماذا؟

في التراث العالمي الكثير من الأمثلة عن نوابغ لم يُعرفوا أبداً بوسامتهم، بل انّ بعضهم عُرف - على العكس من ذلك تماماً- ببشاعته، ولعلّ الفيلسوف الإغريقي -أو النبي- سقراط أبرزهم، كما هو الحال مع مثالنا العربي الشهير الأديب العباسي أبي عثمان عمرو بن بحر أو الجاحظ؛ صاحب "البخلاء"، وهو الذي نظمت الأشعار في قبحه الذي ضاهى عبقريته بحسب أهل عصره، فقيل فيه: "لو يُمسخُ الخنزيرُ مسخاً ثانياً.. ما كانَ إلاّ دونَ قبحِ الجاحظِ".

فما علاقة الذكاء والنبوغ والعبقرية بالقبح والبشاعة ودمامة الخلقة؟ وببساطة أكثر هل الأذكياء بشعون؟ لم ذلك؟ السؤالان الأخيران تحاول مجلة "سلايت"، في تقرير للكاتب دانيال إنغبر، أن تجيب عليهما عبر استعراض لعدد من الأفكار والنظريات الممتدة عبر التاريخ.

بين المظهر والهالة

ففكرة أنّ الوجه القبيح يخفي عقلاً لامعاً لطالما كانت فكرة جذابة. في البداية أراد العلماء أن يعرفوا إن كان من الممكن قراءة ذكاء شخص ما من شكل وجهه. وعام 1918 أظهر باحث من أوهايو في الولايات المتحدة عشرات الصور الفوتوغرافية الشخصية لأطفال يرتدون هنداماً أنيقاً أمام مجموعة من الأطباء والمعلمين، وطلب منهم أن يحددوا الأطفال من الأذكى إلى الأغبى. وبعد عامين أجرى عالم نفس من بيتسبرغ تجربة مشابهة عبر استخدام صور 69 موظفاً من مخزن القسم.

وفي الدراستين بدت التخمينات ساذجة في الظاهر، حين تمت مقارنتها بالنتائج الحقيقية، لكن سرعان ما اتضح أنّها كانت دقيقة في كثير من الحالات.

وقال باحث أوهايو إنّ بعض مواضيعه "تأثرت بشكل كبير بالمظهر اللطيف أو الإبتسامة العذبة، لكن وبينما توحي الإبتسامة للبعض بالذكاء فإنّها للبعض الآخر توحي بضيق الأفق". ونبّه الباحث، بالتالي، إلى أنّ سرّ الذكاء قد لا يكون مختبئاً في المظهر اللطيف.

وعام 1920 نشر عالم النفس من جامعة كولومبيا إدوارد ثورندايك نظرية باسم "تأثير الهالة" ليشرح فيها تأثير الهالة المحيطة بالشخص في الإستدلال على صفاته الفكرية؛ عبر اتساع تلك الهالة أو اضمحلالها. كما أكدت دراسات لاحقة أنّ تأثير الهالة يمكن أن ينشأ من صورة فوتوغرافية: فإذا ظهر شخص في الصورة وسيماً، يميل الناس إلى افتراض أنّه أكثر ذكاء، وأكثر اجتماعية، وذو قيمة أكبر. وطبعاً فإنّ افتراض شيء ما لا يدلّ -بالضرورة- على حقيقته.

أذكياء.. وسيمون

لكن ولدى الوصول إلى سؤال: هل يمكن أن يكون الأشخاص ذوو المظهر الجيد أكثر ذكاء؟ تبدو عندها المعلومات أقل وضوحاً. ولو أنّ عدداً من المراجعات للأدب يصل إلى أنّ هنالك علاقة إيجابية صغيرة بين الجمال والعقل. فقد تمكن محلل علم النفس التطوري ساتوشي كانازاوا من جمع كمية كبيرة من قواعد البيانات، من الدراسة القومية لتطور الأطفال في بريطانيا التي تضم 17 ألف شخص ولدوا عام 1958، والدراسة القومية الطولانية لصحة المراهقين في الولايات المتحدة التي تضم 21 ألف شخص ولدوا عام 1980. والدراستان تتضمنان معدلات الجاذبية الجسدية والنتائج وفقاً لاختبارات الذكاء المعيارية. وبعد أن حلل كانازاوا الأرقام وجد أنّ هنالك ترابطاً بين الجاذبية والذكاء، ففي الدراسة البريطانية على سبيل المثال نال الأطفال الجذابون 12.4 نقطة إضافية في حاصل الذكاء كمعدل. ومن هنا خلص كانازاوا إلى أنّ تأثير الهالة الشهير ليس وهماً معرفيا، بل هو قراءة دقيقة للعالم، وقال: "نؤكد أنّ أصحاب الجمال أذكياء لأنّهم كذلك!".

ومع ذلك فإنّ هنالك دراسات ومراجعات متناقضة، فبنظرة قريبة إلى صور المتخرجين من ثانوية ويسكينسون لعام 1957 نجد أنّه لا علاقة بين حاصل الذكاء والجاذبية لدى الطلاب الذكور، ولو أنّها بين الإناث علاقة موجودة.

كما أنّ الحكم لا يمكن أن يكون نهائياً فالتاريخ يمدنا بكثير من الأذكياء الذين كانوا قبيحي المنظر كالفيلسوف الإجتماعي الفرنسي جان بول سارتر مثلا الذي كان قصيراً وقبيحاً، كما يعترف هو نفسه بذلك في أحد كتبه. كذلك تخبرنا المصادر القديمة أنّ الفيلسوف العظيم سقراط كان دميماً أيضاً، وكذلك كان الموسيقي العبقري لودفيغ فان بيتهوفن والرئيس الأميركي ابراهام لينكولن.

ويكشف كانازاوا كذلك عن افتراضه أنّ الأشخاص الأذكياء مهووسون بالدراسة، وأن هؤلاء يميلون إلى النقص في المهارات الإجتماعية. وبما أنّ الأشخاص أصحاب المهارات الإجتماعية جذابون فقد يكون هنالك رابط غير مباشر بين الذكاء وأحد أنواع الجاذبية- على الأقل.

لكن إذا كنا نبحث عن الجمال الخالص كما يقاس بتقييم الصور أو قياس ملامح الوجه فإنّ الذكاء والمظهر الخارجي يسيران جنباً إلى جنب. أما لماذا يتم ذلك، فإنّ هنالك عدة نظريات منها أنّ جينات بعينها مسؤولة عن الجمال والذكاء معاً .

كما يرى كانازاوا أنّ الرجال الأذكياء يميلون إلى الإرتقاء في الهرم الإجتماعي ويختارون نساء جميلات كرفيقات، فتنال ذريتهم المجد من طرفيه.

فيما ترى نظرية ثالثة أنّ عوامل بيئية معينة داخل الرحم، أو بعد الولادة مباشرة، قد تنتج تشوهات خلقية وعاهات معرفية في الوقت نفسه، أو تناسقا وجهيا وذكاء مرتفعاً في الوقت عينه. كما تجد نظرية أخرى أنّ الأطفال الجذابين يعاملون بشكل أفضل ويتلقون انتباهاً اكبر من مربيهم ومعلميهم ما يساعد في تغذية ذهن أكثر حدة. وهنالك احتمال أخير أيضاً أنّ الأشخاص الأذكياء أكثر قابلية على الإعتناء بأنفسهم وبمظاهرهم.

وبذلك فإنّ الدراسات الأبرز والنظريات تربط أكثر ما بين الذكاء والجمال لا العكس، على الرغم من كلّ الأمثلة المذكورة للعباقرة البشعين. لكنّ كلّ ذلك يفتح أمامنا ميداناً أكبر للبحث عن معايير الجمال تلك، وهل هي نفسها بين بلد وآخر وزمن وزمن؛ شأنها في ذلك شأن الجمال المعلّب هوليوودياً والمقدّم للعالم أجمع كنموذج وحيد؟ كذلك لا بدّ لنا من خوض مجال بحث آخر عن الفارق بين الذكاء نفسه والعبقرية، فهل الثاني نتيجة للأول؟ أم تصدر العبقرية من مورد آخر بعيد عن الذكاء!؟

عصام سحمراني
الحوار المتمدن

الثلاثاء، 22 يوليو، 2014

ما قولكُ فيه: انتحاري أم استشهادي!؟

- لماذا ينتحر الشخص؟
لأنّه سئم من حياته ربما أو يئس
- فلماذا يقتل معه أشخاصاً آخرين؟
(...) دخلنا في المعتقدات، ما يؤدي بنا إلى باب مقفل إقفالاً شديداً لا يملك مفتاحاً له إلاّ من أقفله، على عقول مؤدلجة... وقلوب عامرة بالإيمان.

    وعلى أساس المعتقدات تختلف النظرة بحسب كلّ "مؤمن" إلى شاب في ربيع العمر يعمد إلى تفجير نفسه بأشخاص آخرين.

    الدم الطازج في ضهر البيدر والشياح والروشة وقبلها الكثير من الحوادث في لبنان وسواه، تقسم الآراء وتعقد لواء التعصب من كلّ أطرافه. لماذا يفجر شاب نفسه في آخرين؟

    بعيداً عن النكات الكثيرة بهذا الشأن ومعظمها طائفي يدخل في موضوع الجنة والنار، والنساء، والأكل السماوي، يجيب كارل "لأنّ هنالك أيادي خفية"، ويؤكد أنّ "أجهزة دول معينة تقف وراء مثل هذه الأحداث". كما يؤيد يوسف فكرة تشجيع أطراف محلية وأجهزة وتسهيلها لمثل هذه الأفعال، وهو ما يؤسس لأرضية جيدة لكلّ مخلّ بالأمن.

    رأي كهذا يجد رواجاً كبيراً خاصة في ظل اصطفافات سياسية قائمة في لبنان أسبابها محلية وسورية، لكنّ طلال يرفض التعميم في هذا الشأن ويرفض اتهام شعب بكامله باعتناق فكرة ما، كأن يقال أنّ "كلّ أبناء جنسية كذا إرهابيون يسعون لعمليات انتحارية".

    ويدخل آخرون في عمق تفكير الإنتحاري، لكنّهم لا يبتعدون عن فكرة تدخّل أشخاص معينين في "غسل مخ الشاب" وهو ما يذهب إليه سلمان، الذي يسعى في الوقت عينه إلى تخفيف الذنب ولو قليلاً عن انتحاري "يعيش حرماناً من كلّ متع الحياة ومستقبلاً قاتماً ويقرر الإنتقام من حياته بالدرجة الأولى مع التسبب بأكبر ضرر للآخرين... والذهاب من بعدها إلى الجنة!".

    هناك من يدافع عن تفكير الإنتحاري أو "الإستشهادي" في رؤيتهم، خاصة من مؤيدي الحركات "الجهادية" في كلّ الدول العربية، ويبرز ذلك عبر وسائل التواصل الإجتماعي بشكل كبير، خاصة في هاشتاغات "دولة الإسلام في العراق والشام" و"دولة الخلافة في العراق والشام". فها هو أحد الحسابات الناطقة باسم داعش "خطاب الجزيرة" الذي لا يتوانى عن شتم كلّ العائلات الحاكمة العربية دون استثناء، يوجه تحية لانتحاري الروشة لحظة وقوعه وينشر خبراً عاجلاً الأربعاء الماضي لحظة الحادثة يعلن فيه عن "استشهادي يفجر نفسه في فندق بالروشة في بيروت".

    ويبارك متابعو مثل هذه الحسابات كلّ ما يقوم به "المجاهدون" بالمطلق. لكن آخرين من بينهم لديهم رؤية يريدون الترويج دائماً أنّها "منطقية" وتقوم على أساس أنّ "الإستشهادي" إنّما يقوم بما يقوم به "لرفع الظلم" والإنتقام من "جرائم الآخرين" بحق فئة ما، وهو ما تذهب إليه الملقبة بـ "ذات النطاقين" في كثير من مشاركاتها عبر تويتر.

    وبين هذا وذاك نجد رأياً يرفض الفداء بالنفس لقتل الآخرين مهما كان اسمه؛ استشهاداً أم انتحاراً، وهو الموقف الذي يتخذه مالك الذي يقول عن العملية الأخيرة في الروشة: "عالفاضي... فجر نفسه عالفاضي... لم يتغير شيء أبداً، وكلّ شخص ما زال متمسكاً بموقفه كما هو... لأنّ الإرهاب لا يصنع سياسة". 

أمن الطاقة وبدائل النفط والحرب العالمية المقبلة

ذكر الكاتب جون يما في مقال له في "كريستيان ساينس مونيتور"، أنّ ألمانيا المتعطشة للنفط، وفي الوقت نفسه الغنية بالفحم، طورت نوعاً من الطاقة البديلة المعروفة باسم "سينفيول" يعتمد في أساسه على الفحم والغاز والصخور الزيتية. وكانت البلاد قد وضعت جانباً العمل من خلال الوقود الرخيص واتجهت إلى شكل جديد في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. ومع أنّ العملية كانت معقدة لكن عصر النفط كان ينتهي، بحسب الكثير من المحللين، وأيّ وقود بديل كان ليصبح مفيداً في حرب الطاقة الجديدة.

 ويشير الكاتب إلى أنّه قبل سنوات كان في زيارة إلى السعودية حيث سمع أخصائيي صناعة النفط ينذرون بخصوص الضربة المقبلة. فتلك الأسعار المرتفعة في أواخر السبعينات أدت إلى حالة إشباع نفطي. وفي العام 1984 بدأ الشح النفطي ومعها بدأ العمل بأنواع النفط البديل ومنها سينفيول أو الوقود الصناعي. فمن تكساس إلى بحر الشمال إلى الشرق الاوسط كانت حقول النفط تقفل والعمال يستغنى عنهم. وبقي النفط رخيصاُ حتى العقد الأخير من ذلك القرن عندما ارتفع مجدداً مع تزايد الطلب الصيني والهندي وغيرهما من الإقتصاديات النامية. ومرة أخرى بدأ العمل أميركياً من أجل كسر التبعية للنفط الأجنبي عبر تطوير بدائل كالطاقة الشمسية والهوائية والحرارية الأرضية بالإضافة إلى الطاقة النووية المتجددة.

 ويضيف الكاتب: يحصل الآن أمر غريب، فسلسلة توريد النفط والغاز تتفرع. وبالنسبة للنفط فإنّه مرتفع السعر وتعتمد أميركا على الموارد الخارجية. أما بالنسبة للغاز فإنّه يبرز كأمل عظيم للإستقلالية في مجال الطاقة. وبحسب ما كتب أليكس ماركس في تقرير للمونيتور فإنّ الغاز الطبيعي بات وفيراً ورخيصاُ ما يعزز أمن الطاقة الخاص بالولايات المتحدة. ويذكر الكاتب أنّ الغاز الطبيعي موجود في الولايات المتحدة تحت صخور أراضيها، وهو غاز طبيعي يمكن أن يعطي البلاد وغيرها من بلدان العالم عدة عقود من الطاقة النظيفة نسبياً. فحرب الطاقة، بكلمات أخرى، قد تخمد في اللحظة الراهنة.

 في المقابل يقول الكاتب: لكن قبل أن ننزع سلاحنا دعونا ندرك أنّ عصري النفط والغاز سينتهيان في نقطة معينة، وعلى الأرجح قبل انتهاء القرن الحالي، فالإستهلاك سيبدد الموارد. كما أنّ الآبار ستتطلب مالاً أكثر لتطويرها. وسترتفع الأسعار وترتفع مجدداً.

 فماذا بعد ذلك؟ يتساءل الكاتب. ليقول: النفط التركيبي الصناعي (سينفيول) الذي يعتمد على الفحم، وعلى الرغم من أنّه وفير فإنّه قذر. أما الوقود النووي فلديه كذلك مثالبه المعروفة. ومصادر الطاقة المتجددة لم تكشف عن عضلاتها التي تحتاج إليها في دعم اقتصاد عالمي مزدهر. أما بالنسبة لتخزين النفط والحفاظ عليه فإنّه مفيد لكنّ الأرباح الناشئة عن ذلك دائما ما تستخدم في اتجاه شهية أخرى مفتوحة للطاقة.

 ويختم الكاتب بالقول: الشعلة الزرقاء اللامعة للغاز الطبيعي أعطتنا سلاحاً هاماً في حرب الطاقة؛ وهو سلاح الوقت، لذا دعونا نستخدمه في اكتشاف ما يكمن خلف عصر النفط والغاز.

الاثنين، 21 يوليو، 2014

هل تشكل الأسلحة النووية خطراً فعليا أم لا؟

في إطار استعراضه للتقارير التي تحدثت، طوال السنوات الماضية، عن الخطر المتأتي من برنامج إيران النووي، خاصة على صعيد تطوير الأسلحة، يسأل الكاتب روبرت راولي في تحليل له في "وورلد بوليتيكس ريفيو" سؤالاً عميقاً رغم أن الجميع يضخم أهواله: "كم ستشكل الأسلحة النووية الإيرانية من خطر على العالم؟".

فقراء العالم الرأسمالي... 99 %

عام 2011 ومع امتداد حملة "احتلال وول ستريت" من الولايات المتحدة، وانتشارها في دول العالم الرأسمالي، حتى وصلت احتجاجات الفقراء -وخاصة الشباب من بينهم- إلى مستوى قياسي في أكثر من 900 مدينة، ولم تتوان الأنظمة عن قمعها بوسائل مختلفة، انكشفت أمام كثر خديعة الأحلام الزاهية لاقتصاد السوق. وتركزت الإحتجاجات بالذات ضد الأزمة الإقتصادية، وما جرته من بطالة وفقر وفشل تنموي وعجز كامل في تلبية وعود الرفاهية في تلك الدول.

أميركيون يبتكرون أديانهم الخاصة

لم تعد أغنية كايت سميث "أيها الإله بارك أميركا" التي غنتها في الحرب العالمية الثانية، كذلك بل تحولت إلى "أيتها الآلهة باركي أميركا" في هذا العصر، وفقاً الكاتبة كاثي لين غروسمان في قراءة لها، في هوفنغتون بوست، لكتاب صدر حديثاً.

 وأكد كتاب "فيوتشركاست" أنّ المجتمع الأميركي انتقل من الفئات الدينية العريضة والواضحة، إلى أنواع من الإيمان المفصلة على قياس أصحابها. ويسلط البحث الضوء على الأشخاص الذين يبدون مسيحيين في الظاهر لكنهم في الوقت عينه يمارسون معتقدات تقليدية لا صلة لها بالمسيحية.

الاثنين، 30 يونيو، 2014

هل يشجع الخليجيون ممثل العرب الوحيد في المونديال؟

لدى الشباب الخليجي، لا سيما السعودي، شغف بكرة القدم قلّ نظيره. نشهد عليه في الدوريات المحلية والمنافسات الإقليمية والبطولات الأوروبية، ليصل الأمر إلى حد الإنغماس الكامل في المونديال، خاصة مع استغلاله وسائل التواصل الإجتماعي كتويتر وفيسبوك في بث شغفه؛ تأييداً لمنتخب من المنتخبات... وتعصباً له إلى أقصى الحدود.

 وعلى الرغم من أنّ أيّ منتخب خليجي لم ينجح في الوصول إلى مونديال البرازيل 2014، فإنّ ذلك لم يقلل من زخم الجماهير، ولعلّ مشهد الجماهير السعودية والإماراتية والكويتية في مدرجات كأس العالم، تشجع المنتخبات الكبرى ونجومها الأبرز، خير دليل على ذلك. بل أنّ الأمر تخطى التشجيع باتجاه الهوس الكامل كتحويل أحدهم بهو منزله إلى ملعب كرة قدم كامل التجهيز، وتأسيس آخرين "وكالة أخبار مونديالية" على تويتر، وقيام بعضهم بتصوير جمل لهم يتوقع نتيجة كلّ مباراة، ليتحول الجمل "شاهين" بعدها إلى نجم مع عدد ملحوظ من التوقعات الصحيحة. كما شكل المونديال فرصة جميلة للعلاقات الإنسانية خاصة بعد تأكيد سفير السعودية في البرازيل هشام القحطاني على أنّ عدداً من الشبان السعوديين لا يقل عن 15 تزوج بفتيات برازيليات خلال هذه الفترة، بعد أن قدموا إلى بلاد السامبا للسياحة وحضور المباريات.

 لكن ما حصة المنتخب الجزائري؛ ممثل العرب الوحيد في المونديال من التشجيع الخليجي، خاصة مع الفرصة التي يمتلكها الليلة في التأهل إلى الدور ربع النهائي أمام منتخب ألمانيا؟ وهل يشهد ممثل العرب الوحيد في المونديال تأييداً خليجياً في مسيرته المميزة حتى الآن؟

 "ليس الكثير" يقول أحمد النادر، وهو شاب إماراتي أسس مجموعة على فيسبوك لتشجيع منتخب إيطاليا الذي ودع المونديال، ومع ذلك لم ينتقل أحمد إلى صفوف جماهير "محاربي الصحراء". لا يتوانى أحمد عن اتهام حكم مباراة إيطاليا- الأوروغواي بالغش ضد فريقه، خاصة عبر "الطرد الظالم لماركيزيو وعدم طرد سواريز العضاض"، لكنّه في المقابل يشن هجوماً على النجم الإيطالي ماريو بالوتيللي ويعتبر أنّه ما كان يستحق المشاركة في المونديال لـ"مستواه المتذبذب وانعدام حس المسؤولية لديه". أما بالنسبة للمنتخب الجزائري فيرى أحمد أنّه أنّ احتمال فوزه الليلة "معدوم ولن يذهب أبعد من إنجاز الدور الثاني"، وهو ما يدفعه إلى عدم التمسك بتشجيعه.

 بدوره يجد السعودي نواف (28 عاماً) وهو صاحب لقب "الملك" على تويتر، أنّ أيّ فريق عربي لا يستحق التشجيع "حتى السعودية نفسها إن وصلت". ويستعيد نواف الذي يشجع المنتخب الأرجنتيني ونجمه ليونيل ميسي "حتى الموت" ذكرى المشاركات الأخيرة للسعودية في المونديالات السابقة والأهداف الغزيرة التي دخلت مرماها، ويبيّن أنّ "المنتخب السعودي في مونديالات 98 و2002 و2006 حقق في 9 مباريات نقطتين فقط من تعادلين و7 خسارات وسجل 4 أهداف ودخل في مرماه 26 هدفاً" يكرر الرقم الأخير: "26 هدفاً يا رجل فكيف أشجع منتخب بلادي أو أيّ منتخب عربي آخر لا يطمح بأكثر من المشاركة لمجرد المشاركة!؟".

 محمد زهدي سعودي لا يتجاوز السبعة عشرة، ويشجع المنتخب الجزائري، كتعاطف خاص مع والدته الجزائرية، لكنّه في الوقت عينه لا يجد أنّ حظوظ "الخضر" كبيرة في تخطي ألمانيا.

 وهو الأمر نفسه الذي يذهب إليه عبد الرحمن الكويتي الذي لا يهتم كثيراً بكرة القدم لكنّ المونديال بحدّ ذاته يشكل فرصة مهمة بالنسبة إليه. فقد حول المقهى الذي يملكه والده في أحد أحياء العاصمة إلى مركز مونديالي حقيقي بالأعلام والديكور، خاصة مع استقباله يومياً عشرات الزبائن من الأقربين والأبعدين. يتمنى فوز الجزائر ووصولها لكنّه لا يهتم إلاّ بتحقيق ربح مادي من المقهى، وهو ما يدفعه إلى تعليق أعلام الفرق ذات الشعبية الكبيرة، و"الجزائر ليس من بينها" يقول الشاب العشريني.

 وبالنظر إلى من لا يجدون في كرة القدم هواية لهم، تأتي فتيات الخليج في المقدمة، خاصة أنّ كثيرات منهن لا يعرفن سبباً لهذا الشغف من قبل الشبان بالمونديال. ومع ذلك فإنّ البعض منهن يجارين الموضة وينتهزن الفرصة كحال الشابة السعودية فدوى (19 عاماً) التي تجد في المونديال تعويضاً عن حرمان النساء في بلدها من دخول الملاعب. فقد خرجت فدوى في مسيرة سيارة للإحتفال بعد انتهاء مباراة إيطاليا الأولى أمام إنكلترا حملت فيها العلم الإيطالي من نافذة سيارة شقيقها. وتقول عن ذلك إنّه "شعور مميز وجميل" وتتمنى تكرار مثل هذا الحدث كلّ يوم "حتى لو كان احتفالاً بالجزائر".

 يستكمل المونديال اليوم مباريات دوره الثاني، ليبقى من بعده ثمانية منتخبات، يتمنى كثيرون أن تكون الجزائر من بينها، ومن هؤلاء كثير من الجماهير الخليجية، عكس بعضها الآخر، الذي لا يتزحزح عن تأييده لمنتخب من المنتخبات الكبرى، حتى ولو كان المنافس عربياً؛ بل ممثل العرب الوحيد في المونديال.

 عصام سحمراني